الحنكور طائر أسطوري

2011-10-11 10:18:49
  • الموضوع :

    تم نشر هذا المقال لي في مجلة الوضيحي السعودية التابعة للهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية .شوال /1431هـ

    شكراً للأستاذ خالد الحميدان (مدير العلاقات العامة بالهيئة ومدير تحرير الوضيحي) لحماسه لنشر المقال بالمجلة

    كاتب المقال :مدير الموقع عبدالهادي العوفي

    الجزيرة و الكنز :

    استدار المركب بنا حول جزيرة (الشيخ المربط)

    بُغية العثور على منطقة مناسبة للرسو ، فالجزيرة تحيط بها الشعاب المرجانية التي تظهر رؤوسها فوق سطح البحر كسور قلعة حصينة، أو أصابع سبابة تندد و تحذر كل من يجرؤ على الاقتراب منها ، لكن شغف البحث العلمي دفع بي و صديقي خبير الطيور الدكتور محمد شبراق على الإصرار على قائد المركب للعثور على مكان مناسب لرسوه ، و بعد عدة محاولات رسا المركب لكن علينا قبل ذلك أن نخوض مياه البحر قبل أن تخطو أقدامنا على الجزيرة . و للوصول لداخل الجزيرة اضطررنا لتسلق حاجز صخري مرتفع أكّد لي أن في هذه الجزيرة مَنْ يحتمي بها ،كنَّا نسمع صوت صخب يدوي في أطراف الجزيرة و كأن من يقطنها يندد بمن حضر كيف يجرؤ على اقتحام محميته ، وبعد تجاوزنا الحاجز الصخري هالنا المنظر الذي أشرفنا عليه ،حيث كان البياض يغطي الكثبان و السواحل الرملية ، ولم يكن ذلك البياض سوى مستعمرة كبيرة لطائر الحنكور ، اندمجت في المنظر متأملاً الجمال ، و عرفت مَنْ يتوارى خلف أسوار القلعة المرجانية ،و لم يوقظني من تأملاتي سوى صرخة صديقي الفرحة وهو يقول بحبور طافح : (الحمدلله) يكررها ثم يردف بعدها صرخة الانجاز (YES) ! ، قد تستغرب عزيزي القارئ عن سر كل هذا الفرح و الحبور و لك أن تعرف أنه بسبب عثورنا أخيراً و بعد أيام من التنقل بين جزر محافظة (الوجه) مستعمرة طائر الحنكور (زقزاق السرطان) .

    فما الحنكور هذا ؟ و ما بم يتميز عن بقية الطيور ؟ و ما حالته و سلوكياته؟ في ثنايا هذا المقال سآخذك في جولة لتتعرف عن قرب على هذا الطائر الساحر البديع .

    بطاقة الهوية

    و كما يتضح من الهوية التصنيفية لزقزاق السرطان أنه طائر فريد ،فهو الممثل الوحيد لفصيلته( Dromadidae) الحنكوريات ، فليس له أجناس أو أنواع أخرى، و نظراً لتميزه و انفراده بخصائص لايشاركه فيها طائر آخر. وهذا شيء فريد في التصنيف ! لكن هناك ما يزيد الأمر غرابة أن تشاركه عدة طيور الاسم لكنها تنتمي لفصيلة مختلفة (فصيلة الزقزاقيات PLOVERS ، Charadriidae ) و من تلك الطيور:الزقزاق الرمادي و زقزاق الرمل الكبير و الزقزاق الاسكندراني .

    للحنكور عدة أسماء عامية حيث يطلق عليه أهالي الخليج العربي أسماء مختلفة ففي الإمارات و الكويت يسمى شواعري و كويري و أكَّال السرطان .

    طائر أسطوري

    حين تتفحص جسم طائر الحُنكور يتبادر إلى ذهنك طائر العنقاء الأسطوري

    (Phoenix)

    حيث كل جزء في جسم العنقاء يتشابه مع جزء طير آخر ، فرأس العنقاء كرأس الديك ،و الذيل ذيل طاوؤس ،و الرقبة و السيقان طويلة كالغرنوق ،و لها جناحا صقر . وهذا تماماً ما هو موجود في طائر الحنكور (زقزاق السرطان) لكنه غير أسطوري . فدعونا نتعرف على هذا الطائر الفريد من نوعه عن كثب .

    وصف الطائر :

    طائر أبقع خواض كبير الحجم نسبيا ، ذو سيقان طويلة رمادية اللون، و يوجد بين الأصابع غشاء قصير يساعد الطائر على السباحة و المشي على الكثبان الرملية ، فلا تغوص قدماه في الرمال أثناء مشيه و ركضه عليها .يتميز برأس كبير نسبيا مقارنة بحجم الجسم ، يمتلك عينين كبيرتين دعجاوين شديدة السواد ، و منقاراً اسود ضخماً ثخيناً خنجري الشكل . على ظهر البالغ ريش اسود مستعرض يشبه الوشاح يمتد من بعد الرقبة إلى قريب من الذيل في موسم التكاثر ،أما الراس و العنق فهما أبيضان .تظهر على القنة و القفا في اليافع و البالغ وقت الشتاء خطوط داكنة قريبة للبني المسود ،و القنة من الخلف في اليافع منقطة بالأسود و لون الوشاح و الكتف و الذيل رمادي فضي . التمييز بين الذكر و الأنثى ليس بالسهل ،لكن الذكور تمتلك منقارا أطول و أثخن من مناقير الإناث .

    حين تتأمل شكل هذا الطائر تصاب بالذهول، و ذلك ؛لأن بعض أجزائه تشابه طيورا بحرية أخرى في جوانب عدة ،لعل منها :

    الراس يشبه رؤوس النوارس البحرية .

    المنقار يشبه في تركيبه منقار طائر الخرشنة (خطاف البحر) في ثخانته ،و في طوله يشبه مناقير البلشونات البحرية.

    ألوان الريش و تنسيقها و هيئته و حجمه يتشابه لحد بعيد مع طائر النَّكَّات (Avocet) ، حتى ليظن الناظر له من بعيد أنه يشاهد النَّكَّات لا الحنكور .

    طريقة تغذيته تشبه طريقة تغذية الزقزاق الاسكندراني ،حيث يُظهر الحنكور حركات تشبه حركات

    الزقزاق الاسكندراني

    فهو يمشي سريعاً ثم يقف فجأة مترصداً السرطانات على الشواطئ البحرية .

    و لجمال شكل الحنكور رأى بعض الباحثين الكويتيين أن يُتخذَ طائراً وطنياً ليس لتفرد الحنكور بالمزايا السابقة، بل بالغَ الباحثُ في شاعريته إذ ذكرَ أن السبب أن الطائر يشبه المواطن الخليجي من جهات عدة ! فبياض الطائر يذكر بلون ثيابنا البيضاء (اﻟﺪﺷﺪاﺷﺔ) و الخطوط السوداء الموجودة أعلى الرأس كأنها (عقال) أسود يحيط بالغترة و العينان السودوان كأنها عيون زينها كحل ! و بالفعل اتخذت ﺟﻤﻌﯿﺔ اﻟﻄﯿﻮر اﻟﻜﻮﻳﺘﯿﺔ طائر الحنكور شعارا لها .

    حقائق مجدولة

    طيور تحب رذاذ البحر و رائحته ( التوزيع و الانتشار )

    هذه الطيور تعشق البحر،و تحب رائحة الرذاذ المتطاير من أمواج البحر المعانقة للجزر و السواحل ؛ لذا هي مرتبطة بالسواحل و الكثبان الرملية البحرية ارتباطاً شديداً ، حيث ينحصر وجود زقزاق السرطان في سواحل المنطقة الشمالية الغربية للمحيط الهندي ،بما في ذلك الخليج العربي و خليج عمان ،و البحر الأحمر ،و البحر العربي .

    و خارج موسم التكاثر لديه مدى انتشار واسع بعض الشيء ،حيث يظهر في المحيط الهندي في الناتال ،و جنوب أفريقيا، و جزيرة مدغشقر ،و شرقا في جزر ادامان في خليج البنغال . يُقدر العدد الإجمالي لهذا النوع في العالم بحوالي 000,43 طائر ،منها 000,14 زوج متكاثر.

    توؤي الجزيرة العربية في عدة مواقع أكثر من 000,5 طائر مشتية لزقزاق السرطان. مما يشير إلى عدد أكبر بكثير مما كان متوقعا لمواقع التكاثر المعروفة مع الأخذ في الاعتبار الطيور المهاجرة القادمة من إيران. وهنالك احتمال لاكتشاف مجموعات جديدة في الشواطئ الجنوبية للخليج العربي و خليج عمان.

    في الامارات العربية المتحدة في جزيرة (أبو الأبيض) و جزيرة ( أم ميم ) كمواقع للتكاثر و المستعمرات ،بينما جزيرة (مروح) و( الضبعية) يوجد فيهما خارج موسم التكاثر. في الكويت تم رصده في جزيرة (بوبيان) .

    أما في بقية المناطق في الجزيرة العربية خارج منطقة الخليج العربي فيتم تكاثر زقزاق السرطان في جزيرة (شغاف) البعيدة عن جزيرة (مصيرة) بعمان ،و كذلك في مضيق عدن قبالة السواحل الصومالية . و في البحر الأحمر في بعض جزر الوجه كجزيرة (الشيخ مربط) . و تم رصده في مدينة ينبع حيث يتواجد في الأراضي السبخة الواقعة بين خليج وسط المدينة و المنطقة المحيمة رقم 1 ،كما أنه يوجد في جزيرتين من جزر فرسان التابعة للمملكة العربية السعودية. كما أن هنالك عدة مواقع محتملة للتكاثر في اليمن والمملكة العربية السعودية وإيران تحتاج لزيارات جديدة لتحديد وضع الطيور فيها.

    الطائر الضب :

    غالباً ما يوجد الحُنكور في في السواحل الرملية و الطينية عل الجزر و مناطق المد و الجزر و السهول الطينية حيث مناطق و مواطن نبات القرم ، لكن خلال موسم التكاثر لديه متطلبات دقيقة و شروط و ظروف يجب توفرها ليقيم الطائر أعشاشه في تلك المنطقة تتضمن تلك الظروف ما يلي :

    توفر مساحات من الشواطئ الرملية الطبيعية المعزولة في جزر نائية و توفر الكثبان الرملية عليها .

    طبقات التربة التحتية قادرة على تحمل أنفاق قد يصل طولها أحياناً إلى ثلاثة أمتار و على عمق يتعدى النصف متر تحت سطح الأرض .

    وفرة السرطانات البحرية على تلك السواحل الرملية لتتمكن الطيور من تغذية فراخها.

    غياب الثدييات البرية كالقطط و الكلاب المفترسة .

    و ما سبق يُعّدُ شروطاً صعبة و نادراً ما تتوفر في منطقة من مناطق انتشاره لذا فالمناطق التي يقضي فيها موسم التكاثر تعتبر قليلة و معدودة عالميا .

    ولك أن تتعجب من هذا الطائر فهو الطائر الوحيد الذي يحفر لنفسه أنفاقاً و جحور خاصة يعشش فيها حتى ليخيل للناظر للجزيرة التي اتخذها الطائر موئلاً و مستعمرة للتعشيش أنه ينظر لقرص عسل كبير بسبب كثرة الحفر المتقاربة من بعضها البعض . و هو بحفر تلك الأنفاق يذكرنا بالضب ، فهل يحق لنا تلقيبه حينها بالطائر الضب !؟

    مدخل النفق يكون بزاوية للاسفل قبل ان يتقوس بشكل صاعد و ينتهي بفجوة و تجويف أو حجيرة التعشيش و التي تكون على مسافة ليست ببعيدة عن سطح التربة .

    يعتقد الباحثون ان نفق و حجيرة التعشيش يخدم أمرين هامين هما :

    عزل البيض عن درجات الصيف المرتفعة في الخارج .

    ان تلك الحجيرة تعمل كحضان شمسي طبيعي للبيض حيث تحفظه في درجات حرارة مثلى مما يعني أن فترة الحضانة المباشرة للبيض من قبل الابوين قصيرة للغاية .

    وهنا يزداد يقين المتأمل لهذا العش أنه الحنكور قد شيد منشأة بديعة الصنع لحماية البيض و فراخه . و لربما كان هذا السلوك الغريب في حفر النفق بسبب أن الطائر لا يضع سوى بيضة واحدة خلال موسم التكاثر ، و لك أن تتخيل لو كانت تلك البيضة على الشاطئ عرضة لهجوم الطيور الأخرى كالنوارس أو عرضة للدهس من قبل الطيور الأخرى هل بقي الحنكور لوقتنا الحالي أم قد كان قد انقرض من قديم الزمان ! فسبحان من ألهمَ هذا الطائر تلك الأعمال العجيبة .

    التكاثر :

    موسم التعشيش و التكاثر بين شهري ابريل و اغسطس في هذا الوقت تبدا بالتجمع على شكل مستعمرات في مناطق ذات وفرة من السرطان البحري للتمكن من تغذية صغارها بعد الفقس .

    تضع الانثى بيضة واحدة كبيرة بيضاء اللون على خلاف لون البيض في رتبة (الافيحيات) حيث يكون بيضها ملوناً ، بالطبع لا خوف على البيضة من أن تُكسر من قبل الوالدين لوضوحها بسبب لونها الأبيض و كبر حجمها.

    تفقس البيضة بعد حوالي 33 يوما عن فرخ بلا ريش و لا يستطيع الفرخ المشي للخروج للتغذية لذا يقوم الأبوان بجلب الغذاء له في حجيرة التعشيش في النفق و يعتنيا به لفترة طويلة تتجاوز الشهر حتى يكبر و ينمو ريشه ليخرج بعدها مشاركا الأبوين التغذية .

    المعيشة و التغذية :

    الحنكور طائر اجتماعي و صاخب ،غالبا ما تتجمع في مجموعات للتغذية في السواحل و الشواطئ التي يتوافر فيها كميات من السرطانات البحرية حيث تتكون كل مجموعة من عشرين إلى ثلاثين طائرا و أحيانا تصل الى 400 طائر خلال مواسم التكاثر .

    ينشط هذا الطائر خلال الليل و النهار و يستهلك كميات كبيرة من السرطانات البحرية و الديدان البحرية و القشريات البحرية .

    لدى هذا الطائر تكيف مميز فالمناقير خنجرية الشكل مهيأة لاصطياد السرطان البحري و تعمل كالإزميل لتحطيم و و لفتح القشرة الخارجية للسرطان، وهي ذات رأس عضلي يعمل كالمطرقة لتكسير السرطان البحرية و لفتح قشرتها لأكلها خصوصا الكبيرة منها حيث تقوم الطيور بضرب السرطان بالأرض و تكسير القشرة الخارجية باستخدام المنقار اما السرطانات الصغيرة فتبتلعها مباشرة .

    وكما سبق ذكره فإن طريقة تغذيته تشبه طريقة تغذية الزقزاق الاسكندراني حيث يمشي سريعاً ثم يقف فجأة مترصداً السرطانات على الشواطئ البحرية .

    الحنكور و الانسان نقطة نظام

    طائر زقزاق السرطان (الحنكور) من الطيور التي وضعها خطير Endangered و تم وضعه على القائمة الحمراء في منظمة IUCN .

    و تتضمن قائمة التهديدات لهذا الطائر عدة عناصر منها :

    تلوث البحار و مناطق انتشار النوع بالنفط مما يؤدي إلى خراب موان تواجده كغابات القرم التي تحتوي على غذاء الطائر الرئيسي .

    التوسع في الصناعة السياحية واقامة المنتجعات السياحية على الجزر التي تحتوي على مستعمرات التعشيش و وهذا يهدد بإزالة المواطن الطبيعية النادرة لمستعمرات تكاثر و تعشيش هذا الطائر.

    تردد البشر على مناطق مستعمرات التعشيش مما قد يؤدي إلى إزعاج الطائر أو لهدم الأنفاق التي يحفرها في الكثبان الرملية حال سير البشر على تلك الجزر .

    جمع البيض من قبل بعض الصيادين لبيعها بالأسواق المحلية .

    دخول الحيوانات المفترسة كالقطط و الكلاب إلى أماكن تعشيش الطائر و هذا سيؤدي لنتائج كارثية للطائر و لفراخه .

    العواصف المدية البحرية الشديدة التي قد تؤدي لهدم مستعمرات التعشيش .

    لذا يوصي هذا المقال بما يلي :

    تنبيه المسؤولين المحليين لأهمية هذا الأمر و التواصل مع الهيئات السياحية لعدم قيام المنتجعات السياحية على الجزر التي يتخذها الطائر كمستعمرات للتعشيش .

    توفير الحماية للجزر من التدخل البشري للحد من جمع البيض و لتكون أعشاشه بأمان من أن تهدم بفعل التحرك البشري على هذه الجزر .

    مراعاة عدم دخول القطط و الكلاب و غيرها من الحيوانات المفترسة كالضربان و الثعالب لهذه الجزر .

    القيام بمسوحات جديدة و دراسات على سواحل البحر الأحمر و الخليج العربي للبحث عن مجموعات هذا الطائر و لتحديد أماكن التعشيش بدقة .

    القيام بدراسات إيكولوجية و فسيولوجية على بيولوجية هذا الطائر للتعرف عليه أكثر .